أحدث المواضيعهذه قصتي

هذه قصتي … الجزء الثامن و العشرون

الجنسية الكندية ... روح و ريحان ...

رؤى الكيال  – مونتريال 18 – سبتمبر – 2019

هذه قصتي الجزء الثامن و العشرون …

لا يزال ذلك المشهد حاضرا … آراه بين فينة و آخرى .. آرى نفسي أقف لآداء القسم … قسم الولاء للدولة

الكندية …يشبه هذا المشهد مشهد امتحان البكالوريا الذي يلاحقني منذ تسعة عشرة عاما …

لازلت أحلم بأنني  آجلس في ذلك المقعد  الخشبي …و أمامي ذلك المراقب اللئيم الذي يصب كل

حقده علينا … مقطوب الحاجبين … عابس … يصرخ في وجهنا و نحن نرتجف من الخوف  في يومنا الأول من

الامتحان … لكن .. شتان  ما بين المشهدين …

لدي من الوقت عشرة  أيام  فقط للتحضير للامتحان …حولت البيت إلى حديقة كندية … من الأوراق

الحمراء …  أمسكت بكتاب تاريخ كندا … نظرت إليه .. مرة بحب و أخرى بقهر  و قلت له :

  • …لن تتغلب علي …. و لن تعجزني …فأنا التي درست الرياضيات و كتب الفيزياء و قوانينها معادلات الكيمياء

و  ما أنت إلا كتاب تاريخ …مبعثر الحروف … سأنتقم منك  .. سألتهم تلك الحروف الصغيرة .. وتلك الصور

و الشخصيات الملونة …سأحفظ كل ما فيك …. بدأت بتقسيم الكتاب إلى عشرة فصول … ألصقت على

كل حائط … فصلا … و آوراق  كثيرة …و بدأت أغوص في التفاصيل … استغرق الكتاب مني الكثير من الوقت

… و من ثم استعنت ببعض المواقع التي يوجد بها  امتحانات تجريبية لأتدرب عليها .. اخترت أصعب موقع …

يحتوى  على  ست مائة سؤال و نيف…و جاء اليوم المعهود … يوم الامتحان … آخذت سيارة آوبر …

كان الامتحان حوالي الساعة التاسعة و النصف … وصلت المكان   في حدود السابعة صباحا … لازلت آذكر ذلك

اليوم تماما …. كان   البرد قارسا .. و لم يسمح لنا الحارس بالدخول إلى المبنى قبل  الوقت

  • أرجوك اسمح لي بالانتظار داخل المبنى … البرد قاتل في الخارج…

  • أعتذر سيدتي لا يمكنك الانتظار في الداخل … عودي قبل الوقت المحدد بربع ساعة فقط ..

مشيت قليلا .. لأتقي البرد … ففي درجة حرارة – ٢٠ ، لا يمكنك أن تقف في الخارج مهما أثقلت من

الملابس أكثر من ربع ساعة …….اه هناك … إنه يشبه مول صغير …. صعدت .. و إذا بكوفي شوب … في أعلى

المبنى …شربت فنجانا من  القهوة …. و كانت هذه الساعة من أطول ساعات الانتظار التي عشتها في حياتي ….

دخلت المبنى …. مبنى ضخم  قديم الملامح  يعلوه علم كندا  الأحمر و يلتصق به علم كيبيك الأزرق …تشعر

بفخامة المكان … و تندهش من التنظيم و الدقة …  قاعة الامتحان على اليسار  … . كان أحد أصعب المشاهد

التي عشتها هنا …منذ دخولي لكندا ….القاعة تشبه  قاعة المحكمة … و يوجد بعض المنظمين أو القضاة …

و على جدار القاعة الأمامي … رمز العدالة الكندية و السيادة … و كل أعلام المقاطعات الكندية الملونة …… ما أجمل تلك الألوان

…. قامت إحداهن .. يبدو عليها ملامح أمريكا اللاتينية … بقراءة شروط الامتحان … و التنبيه .. على أن هذه الأسئلة

تعتبر سرية …و لا يجوز تسريبها … جلسنا  في صفوف .. أفقية … في كل صف عشرة أشخاص  ….. ساد الصمت ….

تم توزيع الأوراق ….و الأقلام ….كنت أنظر في الوجوه كعادتي .. أحب قراءة التعابير … وأحب تفسيرها …

كانت كل الوجوه متشابهة في ذلك اليوم …. حالة من الجزع و الخوف …. و الكل .. يضع يده تحت ذقنه ..يفكر

.. ماذا … بعد …أنهيت الامتحان …و جلست أنتظر ..مقابلة القاضية  آو ما يسمى بالأوفيسر …. قالت لي :

..مبروك .. لقد نجحت بالامتحان و حصلت على درجة ١٩ من ٢٠ …غمغمت  بيني و بين نفسي … ما هو السؤال

الذي أخطأت فيه …ثم … صمتت .. في هذه الأماكن من الأفضل أن .. أتوقف عن الثرثرة …و آن أجيب فقط على

السؤال  المطروح دون زيادة أو نقصان ..

فتحت القاضية الملف …و بدأت تقارن بين ما يوجد لدي من وثائق …طلبت مني .. إثباتات اللغة …. و طلبت

مني …  عقد العمل في الشركة التي أعمل بها … كل هذه الاوراق .. كنت قد جهزتها .. احتياطا لأي شيء طارئ …

و كان السؤال الذي يؤرقهم دائما …. لماذا ….لم يأتي زوجك إلى كندا ….. يا الله كرهت ذلك السؤال .. هل علي

أن أعيد قصة حياتي … مرة أخرى … قلت لها … أنا بعد حصولي على الجنسية سأقوم بلم شمله … و قريبا

سيكون بيننا ….قبل أن أخرج … قلت لها …. هل أْعتبر نفسي اليوم كندية …. قالت …لا  ليس بعد …

عليك الانتظار .. قد نطلب منك أوراق أخرى … و من بعدها … خلال أربع أشهر .. سيتم ارسال ايميل خاص بحفل القسم …( السيرموني )

خرجت … من القاعة … و في قلبي غصة … ألم يشبعوا .. أوراق .. وإثباتات   بأنني أعيش هنا في كندا و بأنني

لم أغادرها  إن حياتي كلها موثقة  على صفحات الفيس بوك و أماكن تواجدي  …. اخذت نفسا عميقا .. و قلت …

في قلبي … لن  أفسد فرحتي … فلقد نجحت بالامتحان … وهذه المرحلة ما قبل الأخيرة ….

و بعد ستة أسابيع من تاريخ الامتحان … وصلني بريد الكتروني جديد مفاده … دعوة … إلى حفل القسم …

و في هذه الدعوة تفاصيل المكان ..و الأوراق المطلوبة ….. كانت .. تلك الدعوة .. من أجمل الدعوات التي

تلقيتها في حياتي ….اتصلت بزوجي على وجه السرعة …

  • عليك أن تقوم بالحضور حالا …. لا يمكن .. أن أكون في مثل هذه المناسبة .. وحيدة….. لا يمكن أن يمر هذا

اليوم … دون وجودك … بجانبنا ….

  • لا عليك … سأكون بجانبك حتما ….

بقي على الحفل … أسبوعين .. علي أن آحضر نفسي … جيدا .. لمثل هذا اليوم …. و بدأت مرحلة التحضير

.. و التجهيزات … سألبس فستانا آحمر آو أبيض …. سأذهب لمصفف الشعر … يجب أن أبدو جميلة في هذا اليوم

لكن  كيف سأقنع ابني أحمد المعتاد على الألبسة الرياضية .. أن يلبس قميصا …

  • ستلبس قميصا رسميا … و تلبس بنطالا … لا يمكن أن تحضر هذه المناسبة بتلك الملابس الممطوطة …

  • أنت تحبين المظاهر يا أمي … نحن هنا في كندا … و هذه الأمور لا تهمنا …. لماذا يجب علي دائما أن

أخضع لمراسيمكم العربية …

  • صرخت …و أنا أتظاهر … بالديمقراطية ….. سلتبس هذا و بدون أي نقاش ..

وافق على مضض …

وصل زوجي قبل  موعد الحفل بيوم واحد ….وكان منهكا …. آيقظته … في يوم السيرموني .. وكنت

في حالة يرثى لها .. من التعب …و الإجهاد و التوتر …. في كل المحافل .. و في السفر .. وفي كل أموري ….

تنتابني حالة من هستيريا الوصول متأخرة … إلى العمل … إلى قاعات الامتحان .. إلى كل الأماكن الرسمية ..

حتى بات  هذا الأمر  مثل وسواس قهري …

خرجنا … معا .. و منذ زمن بعيد … لم نكن سوية … يا لها من مناسبة جميلة .. لكنها ناقصة .. دائما لوحاتي

في الحياة ناقصة … كم تمنيت أن نتوج جميعنا في هذا اليوم …. دائما… دائما عندما يزورني الفرح … يكون منقوصا ….

وصلنا المكان … و كانت الصالة تعج بالناس … صفوف و أفواج من الناس … يا الله …. كل هؤلاء …. هنا …

كان العدد حوالي آربعمائة شخص من جنسيات الكون كله … و ألوان الطيف …..

تم ترتيبنا حسب الأرقام .. و طلب من مرافقينا .. الجلوس في الصفوف الخلفية لالتقاط اللحظات الجميلة ….

طلبت القاضية  من جميع الأطفال .. آن يتقدموا  إلى المنصة …  و بعد أن تم الافتتاح بترديد النشيد الوطني الكندي …

مع الأطفال …. ألقت القاضية كلمتها …رحبت بها .. بجميع الحاضرين .. و هنأت الجميع على حصولهم على

الجنسية الكندية ….

قالت  تركتم بلادكم و أهليكم ..و اخترتم كندا موطنا …. هنيئا لكندا بكم مواطنين صالحين و هنيئا لنا بكندا ..

بلد العدالة و القانون ….و بعد آن أنهت  كلمتها …ظهر على شاشة كبيرة .. رئيس الوزراء الكندي ساحر النساء

السيد ترودو … مهنئا لنا … بهذه المناسبة .. في رسالة مسجلة …و لا أنسى .. كلمته …حين قال :

(أنتم اليوم في يوم هام  جدا في حياتكم .. بتجاربكم الغنية ستكونون جزء من تاريخ كندا …)

حالة من التقدير … لم أشعر بها طوال إقامتي في كل الدول العربية … تقدير من هيئة حكومية لمواطنة  عادية …

وبينما أنظر في وجوه الناس … يمنى و يسرة …مر فيلم حياتي كامل في كندا … تذكرت السنوات الأولى ….

تذكرت حالة التذمر التي كنت بها من كل شي في كندا … صفوف الفرنسية …. صديقي  انطونيو …. تذكرت

كم من  الألام  كابدت … تذكرت الضحك و قهقهات الأصدقاء … تذكرت …. و تذكرت ….. سنوات لم تكن سهلة

..و ها أنا اليوم … أحقق الحلم …. بكوني … مواطنة كندية ….

آقسمت على الولاء لكندا ..و الدفاع عنها … و الامتثال لقوانينها … و ممارسة جميع حقوقي في المواطنة …

تلك الحقوق المسلوبة … مني … لسنوات طويلة ….شعرت بأنني  و لدت من جديد … وو أن الله سيعوضني

عن كل السنوات العجاف التي مررت بها …..على أمل بأن تكون هذه الجنسية بداية …جديدة … لنهاية … سعيدة ….

 

 

الوسوم

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق