أحدث المواضيعهذه قصتي

هذه قصتي… الجزء السابع و العشرون

شنطة سفر

رؤى الكيال – مونتريال

هذه قصتي … الجزء السابع و العشرون

ثلاث سنوات … و أنا  أنتظر … فلا هو يستطيع القدوم…. و لا أنا أستطيع الهروب إليه … كيف انقضت تلك

السنوات لا  أعرف…كل ما أعرفه .. أنها مرت … و أنني في كل يوم .. كنت  أزرع له أملا و أوقد له شمعة و

أطفئ في قلبي … أخرى ..أحلم بذلك اليوم الذي سوف أرتمي بين أحضانه و أبكي …. بكاء السنوات  الست

العجاف…. سنوات مرت علي و غيرت بي الكثير .. لم أعد تلك المرأة التي تركتها  منذ ست سنوات فقد حفرت

تلك السنون  في قلبي الكثير من الحسرات و الآّهات …في الليل  أنام وحيدة … أبكي وحيدة … و في النهار

أتظاهر بالقوة و البأس .. و بأنني غير متأثرة بكل ما يحيط بي من ظروف .. و بأنني تلك المرآة القوية التي لا

يمكن هزيمتها …. لكن حقيقتي أنني كنت أضعف من نملة صغيرة … تمشي .. و تخشى آن تسقط عليها

حبة من القمح .. فتغرقها في تلك الحفرة التي حفرتها لتخبئ بها مخزون الحياة …بعد مرور سنة كاملة على

الأخذ والرد و التقديم على فيزا سياحية  لزوجي ليقوم بزيارتنا … كان الرد دائما يأتي بالرفض .. فمرة الحجة

قرار المحكمة بإلغاء طلب الإقامة الدائمة و مرة أخرى يطلب للمقابلة الشخصية و في آخر مرة .. انتظرنا  و بقي

جوازه السفر معلقا في السفارة الكندية في أبوظبي أربعة أشهر و نحن ننتظر ….ننتظر شفقة أو رأفة  بحالنا .

كنت أفكر مرارا ماذا سيحل بنا … لو لم يعطوه تلك الفيزا  الملعونة .سيعود لتونس  أنا بدأت العمل هنا و الآن بعد

أن شعرت بالاستقرار بعد سنوات الدراسة و التعب .. هل سأسلم بكل شيء فعلته و آعود للعيش في

البيت الجميل في تونس…لكن ماذا عن ابني … ابني مجرد التفكير حتى قضاء إجازة خارج كندا …

يغص و يغضب و يكره … لا يحب أن يسافر إلى أي مكان … سألته :ماذا لو اضطررنا إلى العودة لتونس في حال

والدك لم يستطيع الحصول على الفيزا ؟؟…سنضطر يا بني للعودة إلى العيش في تونس… لا يمكن أن أبقى بعيدة

هكذا …علينا أن نتخذ قرار بلم شمل العائلة….انتفض كالأسد في وجهي … و قال .. كفوا عن اللعب بي …

اذهبي معه ..أنا لن أعود .. لن  آخرج مرة أخرى  من مونتريال .. و لن تستطيعوا إجباري على التعود على بلد

جديد مرة أخرى .. هنا أصدقائي و ذكرياتي .. و مدرستي .. لا آريد العودة .. أرجوك يا أمي … لا تفعليها ..

و بدأت دموعه تنهمر بحرقة ….يا الله … ماذا فعلنا بأنفسنا … و بطفلي ….  أعلينا آن ندفع هذا الثمن الباهظ

فقط… لأنه اختار البقاء  في الإمارات  لسداد ثمن بيتنا في تونس .. بيت  برسم البيع ….. بيت كان السبب

في  فرقتنا كل هذه السنوات… فهو كوقف من أوقاف الكنيسة  لا يمكن بيعه و لا إخراج ثمنه … فكل ما تشتريه

في تونس … يدفن هناك … بسبب قوانين البلد الصارمة  بإخراج العمل الصعبة  ….قررت في داخلي .. أنني لن

أجازف مرة أخرى .. بابني  .. فكل  ما فعلته هنا و كل عذاباتي لأجله .. حتى لو لم يعطوه فيزا  للدخول إلى كندا

و لو اضطر للعودة وحيدا لتونس … سأبقى أنا هنا …إلى أن يجعل الله لنا  مخرجا …و بينما كنت أعيش تلك

الصراعات القاتلة بين ما أريده كامرأة.. أريد أن أعيش  في ظل  زوج يهتم بي عن قرب …زوج حقيقي .. لا

الكتروني … . و بين ما يريده ابني … و بين ما يريده هو …. آنا التائهة بين الاثنين و علي أن اتخذ قرارا

حاسما … يحافظ على هذه العائلة الصغيرة … من أي هزة يمكن ان تسقطها.. لا  لن  أنبس  ببنت شفة الآن..

سأكتفي بالانتظار.. ولن أخبره بكل ما قررته …وضعت على طاولتي كل الخيارات ….و كانت تلك الخيارات مفتوحة

الأولوية أن تستمر تلك العائلة و نبقى معا  نتصدى لكل هذه العقبات … التي تعودنا عليها … فقد مضى الكثير و لم

يبقى إلا القليل …. و الخيارات الأخرى .. بأن أبقى أنا هنا .. و يعود هو لتونس لعمله إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا

…. لن أعود و لن أخرج من هنا …و مرت عدة أشهر دون أي إجابة من السفارة الكندية بالقبول أو بالرفض …

حتى إقامة زوجي في الإمارات شارفت على الانتهاء و عليه تجديدها ليستطيع الإقامة بطريقة شرعية ….

فما كان به إلا أن أرسل إيميلا للسفارة الكندية مخبرا إياها ..أنه  بحاجة لجواز السفر ليجدد إقامته ….

و بعد يومين وصلته رسالة الكترونية من السفارة الكندية مفادها آننا ننتظرك لاستلام جواز السفر …من شد

التوتر … لم أفهم معنى الرسالة … ذهب زوجي إلى السفارة … فوجد الفيزا ملصقة على جواز السفر …

طار من الفرح … و أرسل لي صورة الفيزا لم أصدق عيناي … أطرقت قليلا .. ووضعت نظارتي.. وبدأت  أحدق

بصحة المعلومات ….. قفزت إلى أحمد .. ماما …حمودي ….. بابا عطوه فيزا …. بابا رح يجي ….قفزت من

الفرح …. لم يأتي إلى ذهني آنذاك .. سوى شيء واحد ..ماذا سأحضر له من الأطباق التي يحبها

ماذا سألبس له ….. كيف سيبدو .. بعد تلك السنوات …. علي بإعادة ترتيب الديكور في البيت …

علي بإعادة التنظيف ….سأشتري له …. ملابس خاصة بالشتاء …. لا … بل سأنتظر …  سنذهب

سويا إلى و نتسوق معا … فقد اشتقت إلى تلك اللحظات … اشتقت له عندما يجلس بجانبي في السيارة

و نتكلم بكل ما مر بنا … اشتقت إلى رائحة عطره … و رائحة جسده … اشتقت إلى لمساته … و عناقه الطويل

و بينما أنا غارقة في أحلامي .. التي لا تنتهي … تفقدت الايميل … فقد كنت  قد تقدمت بطلب الجنسية

الكندية … و كما حالتي دائما .. كل شيء أحصل عليه بشق الأنفس هنا في كندا … هذه الطريق لم تكن

مفروشة بالورود … كانت طريقا  تشبه جدا شوارع مونتريال  و حفرها … كلما أسقط في حفرة .. أنهض مرة

أخرى …  و أقف … و أستمر وأمضي في هذه الطريق ….مضى على طلب التقدم بالجنسية الكندية سنة

و أسبوعان بالتمام و الكمال  ….انتظرت طويلا و مللت تفقد البريد الالكتروني .. لكن لا بأس  سأتفقده

في نهاية كل أسبوع … لأرى … و في الأيام الأولى من عام   ٢٠١٩ ..  بريدا مفاده أن  امتحان الجنسية

الكندية سوف يكون بعد حوالي العشر أيام ….ضربت على رأسي و شهقت … و حبست أنفاسي … يا إلهي

ما الذي كنت أفعله في خلال هذا العام .. لم أحضر بعد للامتحان و لا أعرف ماذا يوجد في ذلك الكتاب

الأحمر … لا بأس .. هم عشرة فصول .. سأقوم بتقسيمهم إلى عشرة أجزاء و سأدرس في كل يوم جزء

هذا أهم امتحان في حياتي كلها … لقد انتظرته طويلا جدا … خمس سنوات و نيف …سأقطف قريبا ثمار

الانتظار و عذاباته … الحمد لله يا رب الحمد لله … بدأت الأمور بالانفراج …. سأحصل على قريبا على جواز

سفر …. سأسافر … سآطير إلى أمي و أخواتي …. لا أريد شيء من هذه الدنيا بعد … فهذا خير ما قسمته

كل ما آريده  فقط … حضن أمي… التي لم أراها منذ ست سنوات ..كم أنا قاسية القلب …. كيف تحملت

هذا البعد  …كيف لقلب أمي أن يصبر على فراقنا  نحن البنات الآربعة .. و فقدان أبي .. الذي  لا تزال على

أمل عودته …. لا أستطيع مفارقة ابني ليلة واحدة …كم أنت عظيمة يا أمي … سامحيني أرجوك …

سأعوضك عن كل ما فات … وسأكون بجانبك في الأيام  القادمة … أعدك … أن أبقى بجانبك …

و لن أترك بعد اليوم … لا لا لن أتركك…….استيقظت من النوم … و الدموع تسيل على وجنتاي …..

هل أنا بحلم أم في حقيقة …؟

و للقصة بقية …

حقوق النشر و الملكية محفوظة لموقع أهلا بكم في كندا رؤى الكيال

Roua Kayal

أستاذة في الكيمياء - مدونة سورية من مدينة حمص - ناشطة إعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي - مديرة موقع آهلا بكم في كندا - مهتمة بأمور الهجرة و المهاجرين إلى كندا و كل ما يخص الاندماج في المجتمع الجديد الكندي .. آقدم نصائح من خلال تجربتي الشخصية في كندا .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق